سيد محمد طنطاوي

290

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله - سبحانه - : * ( وقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ . . . ) * إخبار من اللَّه - تعالى - لهم ، بما سيكون منهم ، حسب ما وقع في علمه المحيط بكل شيء ، والذي ليس فيه إجبار أو قسر ، وإنما هو صفة انكشافية ، تنبئ عن مآلهم وأحوالهم . قال أبو حيان : والفعل قضى يتعدى بنفسه إلى مفعول ، كقوله - تعالى - : فَلَمَّا قَضى مُوسَى الأَجَلَ . . ولما ضمّن هنا معنى الإيحاء أو الإنفاذ تعدى بإلى أي : وأوحينا أو أنفذنا إلى بني إسرائيل في القضاء المحتوم المثبوت وعن ابن عباس : وأعلمناهم . . « 1 » . والمراد بالكتاب : التوراة ، وقيل اللوح المحفوظ . واللام في قوله * ( لَتُفْسِدُنَّ . . . ) * جواب قسم محذوف تقديره : واللَّه لتفسدن . ويجوز أن تكون جوابا لقوله - تعالى - : * ( وقَضَيْنا . . . ) * لأنه مضمن معنى القسم ، كما يقول القائل : قضى اللَّه لأفعلن كذا ، فيجري القضاء والقدر مجرى القسم . . . والمقصود بالأرض : عمومها أو أرض الشام . و « مرتين » منصوب على أنه مفعول مطلق لقوله : * ( لَتُفْسِدُنَّ ) * من غير لفظه ، والمراد لتفسدن إفسادتين وقوله - عز وجل - : * ( ولَتَعْلُنَّ . . ) * من العلو وهو ضد السفل ، والمراد به هنا : التكبر والتجبر والبغي والعدوان . والمعنى : وأخبرنا بني إسرائيل في كتابهم التوراة خبرا مؤكدا : وأوحينا إليهم بواسطة رسلنا ، بأن قلنا لهم : لتفسدن في الأرض مرتين ، ولتستكبرن على الناس بغير حق ، استكبارا كبيرا ، يؤدى بكم إلى الخسران والدمار . والتعبير عما يكون منهم من إفساد بالقضاء وأنه في الكتاب ، يدل على ثبوته ، إذ أصل القضاء - كما يقول القرطبي - الإحكام للشيء والفراغ منه . وأكد إفسادهم واستعلاءهم بلام القسم ، للإشعار بأنه مع ثبوته ووجوده فهو مصحوب بالتجبر والتكبر والبغي والعدوان .

--> ( 1 ) تفسير البحر المحيط لأبي حيان ج 6 ص 8 طبعة دار الفكر - بيروت .